مجمع البحوث الاسلامية
35
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
حيث يلوح من هذا أنّ بعض أهل السّنّة أراد مقابلة حديث الشّيعة بحديث مناقض . ومثل هذا شيء كثير في كتب الحديث ، وبخاصّة في غير مساند الأحاديث الصّحيحة . وابن هشام الّذي يروي خبر ما كان بين النّبيّ ووفد نجران بالتّفصيل ، ويورد آيات سورة آل عمران في سياق ذلك لم يذكر ذلك ، وكلّ ما قاله : إنّ النّبيّ دعاهم إلى الملاعنة والمباهلة ، فاستمهلوه لينظروا في الأمر ، ثمّ غدوا عليه فقالوا له : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك . وابن كثير المحدّث المفسّر لم يرو ذلك أيضا مع أنّه كثيرا ما نقل عن الطّبريّ ، وإنّما روى ما يقارب ما رواه ابن هشام . ولهذا فنحن نتوقّف في الرّوايات الّتي تذكر أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم استعدّ فعلا للمباهلة ، ولا نرى الآية تتحمّل استنباط ذلك ، لأنّها جاءت بأسلوب التّحدّي والإفحام ، واللّه أعلم . ( 8 : 109 ) سيّد قطب : وقد دعا الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من كانوا يناظرونه في هذه القضيّة إلى هذا الاجتماع الحاشد ، ليبتهل الجميع إلى اللّه أن ينزل لعنته على الكاذب من الفريقين . فخافوا العاقبة وأبوا المباهلة ، وتبيّن الحقّ واضحا . ولكنّهم فيما ورد من الرّوايات لم يسلموا احتفاظا بمكانتهم من قومهم ، وبما كان يتمتّع به رجال الكنيسة من سلطان وجاه ومصالح ونعيم ! ! وما كانت البيّنة هي الّتي يحتاج إليها من يصدّون عن هذا الدّين إنّما هي المصالح والمطامع والهوى ، يصدّ النّاس عن الحقّ الواضح الّذي لا خفاء فيه . ( 1 : 405 ) عبد الكريم الخطيب : لقد عاشت أجيال النّصارى نحو سبعة قرون قبل مبعث النّبيّ الكريم ، وهم على هذا المعتقد في المسيح عليه السّلام ، وأنّه هو اللّه ، تجسّد في بطن عذراء . وإنّه لمن العسير أن يتخلّصوا من هذا المعتقد الّذي دانوا به ، وأقاموا له بناء ضخما من المنطق العاطفيّ ، الّذي امتزج بتفكيرهم ، واختلط بمشاعرهم . وهيهات - والأمر كذلك - أن يستمعوا إلى قول يخالف ما قالوا ، وأن يتصوّروا المسيح على غير الصّورة الّتي انطبعت في كيانهم . وإذن ، فالحديث إليهم بمنطق العقل لا يجدي شيئا ، وإقامة البراهين والحجج بين أيديهم لتفنيد ما زعموا ، سيلقونها ببراهين وحجج ، وإنّه لا محصّل لهذا إلّا المماحكة والجدل ، واتّساع شقّة الخلاف والخصام . وإذ كان الأمر كذلك ، فلا جدال مع أتباع المسيح فيما يقولون فيه ، فإن جاءوا إلى النّبيّ الكريم يجادلونه ويحاجّونه ، فلا يلقاهم النّبيّ بجدال وحجاج ؛ إذ خرج الأمر فيه عن العقل ومنطقه ، عند أتباعه ، وصار إلى الوجدان والعاطفة . . . فليكن مقطع الحقّ في هذا الموقف ، أن يصار فيه إلى الأسلوب العمليّ الملموس الّذي يجابه الحواسّ ، ويؤثّر آثاره فيها ؛ بحيث يعلّق الأثر بمن وقع عليه ، ويجد مذاقه الحلو أو المرّ في نفسه . وجاء وفد من نصارى نجران ، بعد أن أداروا الأمر فيما بينهم ، وأعدّوا له العدّة ، جاؤوا يحاجّون النّبيّ في « المسيح » بما عندهم من مقولات فيه ، وهم يريدون أن يسقطوا ما تلقّى من كلمات اللّه في المسيح وفي أمّه ، وبذلك تسقط دعوى النّبيّ كلّها بأنّه رسول من عند اللّه ، وأنّ